|
خلفية التأسيس
إن مسيرة الحياة الإنسانية غير متوقفة و لو للحظة قليلة، وكل عشية وضحاها تقدم عجلة الحياة إلى التنقل من القديم إلى الحديث ومن الحسن إلى الأحسن تذليلا لصعوباتها وتكشيفا لمكنوناتها وتوفيرا لمرافقها، فالحياة الإنسانية، وشأنها كما ذكر، لاينتظمها قانون ولا يساير ركبها فقه، مالم يتزود بقابليات استجابة اقتضاءاتها وتقديم توجيهاته إلى صغيرها وكبيرها، وشموليته لثوابتها ومستجداتها، وتلك هي خصيصة الفقه الإسلامي التي تؤهله للخلود ما دامت السماوات والأرض، فقد يتمتع الفقه الإسلامي بأصول وقواعد فقهية استنبطها الفقهاء من كتاب الله وسنة رسوله -e- يمكن في ضوءها استنباط الأحكام الشرعية وتطبيقها على مستجدات كل عصر ووقائع كل مكان، يعود هذا الواجب على كواهل العلماء المسلمين في كل العصور.
تطبيق الحكم الشرعي على قضية تسبقه دراسة شتى أبعادها مراعاة ظروف عصرها واعتبارات أخرى تحقيقا لهدف الشريعة منه، الأمر الذي يجعل ذلك في غاية من الأهمية والخطورة، ويوجب الكفاءات الفائقة والشروط المتوافرة فيمن يقوم بتطبيق الحكم الشرعي، كان من السهل توافرها في شخصيات منفردة غابر الزمان، ويخبرنا التاريخ عن أفراد فذة، ذوي الأيادي الطويلة في كتاب الله تعالى وأحاديث رسوله -e- وأقوال الفقهاء الجماعية، عارفين بطرق الاستنباط وضوابط القياس، مطلعين على أهداف الشريعة ومصالح التشريع الإسلامي، إلى جانب معرفة أحوال العصر واقتضاءات الزمان، عالجوا بانفرادهم مشكلات عصرهم وقدموا حلولها التي كانت موضع قبول عام بين جماهير المسلمين.
ومنذ آونة الانفجار العلمي ومواصلة تطوراته وتكدس اكتشافاته تراكمت قضايا وتزاحمت مشكلات، كأن العالم ظهر في ثوبه الجديد، تغيرت العادات وتبدلت الأعراف، وانكشفت مخترعات، وتجددت العقود وتواجدت التقدمات في مجالات الاجتماع والاقتصاد والطب والسياسة والتجارة وما إلى ذلك، اشتدت الحاجة إلى معالجة القضايا وتقديم الأحكام الشرعية لكل مايستجد، هذا في جانب، وفي جانب آخر بدأت المعلومات تتجمع والعلوم تتشعب وفروعها تتفاوت، وأصبح من الصعب لفرد واحد أن يبرع في جميع أقسام العلوم اللازم معرفتها لعملية الاجتهاد، وينال فتواه الانفرادى قبولا عاما بين المسلمين.
وعند ذلك ألحت الحاجة إلى تأسيس منهجية التفكير الجماعي لمناقشة القضية والتوصل إلى حكمها الشرعي في ضوء الأصول والقواعد الشرعية، باجتماع وتعاون العلماء والفقهاء والخبراء والإخصائيين في علوم ومعارف العصر.
وهذه الحاجة تمثل سدادها في إنشاء "مجمع الفقه الإسلامي الهند" في نهاية سنة 1988م بانتخاب الأعضاء له من كبار العلماء والفقهاء البارزين مع الإخصائيين والكوادر في الطب الحديث وعلوم الاجتماع والقانون وعلم النفس والاقتصاد، بغية تحقيق الأهداف المنشودة والمقررة له، وإن مجمع الفقه الإسلامي الهند يغذ سيره على درب مسيرته بكل جد واهتمام بالغين.
القاضي مجاهد الإسلام القاسمي-رحمه الله-
المؤسس لمجمع الفقه الإسلامي (الهند)
|