بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين.
الندوة الفقهية الحادية عشرة
عقد مجمع الفقه الإسلامي بالهند ندوته الفقهية الحادية عشرة في الفترة ما بين 29 ذو الحجة - 2 محرم 1419هـ الموافق 17 - 19 أبريل 1999م في قاعة المعهد العالي للتدريب في القضاء والإفتاء التابع للإمارة الشرعية لولايات بيهار وأريسة وجاركند بفلوارى شريف - بتنة عاصمة ولاية بيهار (الهند)، وقد ضمت هذه الندوة الفقهية حوالي مائتين وخمسين من العلماء والفقهاء وخبراء العلوم العصرية الممثلين لشتى ولايات الهند وجامعاتها ومعاهدها الدينية والبحثية، كما حضرها سماحة الشيخ المفتي محمد تقي العثماني (باكستان) وسماحة الشيخ الدكتور وهبة مصطفى الزحيلي (سوريا).
ونوقشت في هذه الندوة ثلاث قضايا هامة وهي:
* الكفاءة في النكاح.
* الولاية في النكاح.
* حكم الأحاديث الضعيفة.
ونذكر في الصفحات القادمة القرارات التي صدرت بشأن هذه الموضوعات في الندوة.
قرار رقم:46 (1/11)
بشأن
الكفاءة في النكاح
إن الإسلام قد اعتبر جميع البشر سواء، وهو لا يفرق بين إنسان وإنسان، ويكرم الإنسان من حيث إنه إنسان على طريقة سواء، وقد قال الله جل وعلا: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم} (سورة الحجرات: 13)، لذا يستنكر من وجهة نظر الإسلام التقسيم الطبقي للإنسان واعتباره عالياً أو سافلاً على أساس فوارق الكون والسلالة، وقد قال الله سبحانه وتعالى: {ولقد كرّمنا بني آدم} (سورة الإسراء: 70).
نظراً إلى هذه التوجيهات الإسلامية بصدد التكرم الإنساني قرَّرت الندوة ما يلي:
أولاً: إن الإسلام قد قدَّم نظرية الأخوة الإسلامية بكلمات صريحة وواضحة. قال الله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة ، فأصلحوا بين أخويكم} (سورة الحجرات: 10). وقال النبي : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضاً" (أخرجه البخاري ومسلم عن أبي موسى رضي الله عنه)، وقال : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم..الخ" (أخرجه مسلم عن النعمان بن بشير، كتاب البر والصلة والآداب).
ولذلك كان كل مسلم أخاً لأي مسلم آخر، وتحقير الإنسان لأخيه الإنسان والتفاخر عليه على أساس النسب والأسرة واللغة يعارضان التوجيهات الإسلامية معارضة صريحة.
وقد قال الرسول : "لا يحلّ لمسلم أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه".
ثانياً: عن طريق النكاح يتعاقد فردان أجنبيان - وهما الزوج والزوجة - على المصاحبة والعشرة بينهما طول الحياة، ويكون كل واحد سراً وستراً وسكينة للآخر.
قال الله تعالى: {هنّ لباس لكم وأنتم لباس لهنّ} (سورة البقرة: 187) وقال: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة} (سورة الروم: 21).
ويعتبر الإسلام النكاح أحكم عقد وأمتنه، ولذا فإنه يوجه توجيهات تتحق بالعمل بها مقاصد النكاح ويحيا بها كل من الرجل والمرأة حياة طيبة إلى آخر لحظة حياتهما.
ثالثاً: وليست حقيقة الكفاءة إلا المماثلة والمساواة بين الرجل والمرأة، وفي حالة وجود التوافق والانسجام بين الزوجين في الفكر والاجتماع وأسلوب الحياة والديانة وما إلى ذلك، وفي ظل هذه المساواة يحيا الرجل والمرأة حياة هنيئة، ويكون النكاح محكماً، أما النكاح الذي يتم مع غير الكفء ففي أغلب الأحوال لا يأتي بثمرة، وتأثيراته السيئة لا تؤثر على الشخصين فقط بل تتجاوز إلى بيتيهما وأسرتيهما، ونظراً إلى هذه الحاجة قد اعتبر الإسلام الكفاءة في أحكام النكاح.
رابعاً: النكاح الذي يتم بين الرجل والمرأة المسلمين البالغين العاقلين بالتراضي معتبر شرعاً، والكفاءة تؤثر في لزوم عقد النكاح لا في صحة النكاح وانعقاده.
خامساً: يكرَّم الشخص - كائناً من كان - بعد أن يعتنق الإسلام ويصبح فرداً مكرَّماً من قبل المجتمع، ويحظى بالحقوق والإكرام مثل ما يحظى بها المسلم قديم الإسلام الذي ورث الإسلام عن أبيه وجده، وإذا أنكحت البنت المسلمة للمسلم الحديث العهد بالإسلام فهذا العمل يوجب الثواب فضلاً عن كون هذا النكاح جائزاً.
سادساً: ينبغي أن يكون الزوج كفء اً - أي: مساوياً - للزوجة، ولا يشترط في الزوجة أن تكون كفء اً للرجل. وبناء على هذا فإن الرجل إن تزوج من هي دونه جاز النكاح ولزم، وليس لأولياء الرجل أن يعترضوا عليه.
سابعاً: ولو نكحت المرأة مع غير الكفء على غير إذن من وليها فينعقد هذا النكاح شرعاً، ولكن يحق لأوليائها أن يرافعوا القضية إلى القاضي ليجمع بينهما إن كان الزوج كفء اً للمرأة أو يفرق.
ثامناً: ولو لم يذكر الرجل أو أولياؤه الحقائق عند النكاح وكذبوا في ذكر نسبهم وأسرتهم أو في أحوالهم الاجتماعية والاقتصادية، وظهر بعد ذلك كذبهم وخداعهم فينعقد النكاح، ولكن للمرأة أو لأوليائها أن يرافعوا القضية إلى القاضي.
تاسعاً: يلزم اعتبار الديانة في مسألة الكفاءة، أما الأمور الأخرى فهي تتعلق بالعرف والعادة والأحوال الاجتماعية، ولذا لا يمكن أن يتم تحديد وتعيين أمور الكفاء ة بطريق معين وموحَّد للدول والأمم كلها وللعالم كله، بل يقوم علماء وفقهاء كل دولة ومنطقة بتحديد أمور الكفاء ة نظراً إلى عرف وعادة وظروف منطقتهم الاجتماعية الخاصة، دون أن تربط الكفاء ة بالعز والذل والشرف والرذالة في ما بين الناس.
قرار رقم:47 (2/11)
بشأن
الولاية في النكاح
وبهذا الخصوص قرَّرت الندوة ما يلي:
أولاً: ( أ ) الولاية في النكاح في الاصطلاح الشرعي هي: كون الرجل قادراً على مباشرة عقد النكاح لآخر.
(ب) الولاية في النكاح لها صورتان: الأولى: ولاية الإجبار والثانية: ولاية الاستحباب، ويراد بالولاية الإجبارية: الخيار الذي لا يتوقف على رضا الآخر، أما الولاية الاستحبابية: فالمراد منها الخيار الذي يتوقف على رضا الآخر.
(ج) يجب في الشرع أن يتصف الولي بصفات تالية:
- العقل وسلامة التفكير.
- البلوغ.
- استحقاق الإرث.
- الإسلام.
وترتيب الأولياء حسب ترتيب الإرث في العصبات.
ثانياً: يحق لكل عاقل بالغ رجلاً كان أو امرأة أن ينكح نفسه، ونكاح المختل عقلياً مفوَّض إلى الأولياء، ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة.
ثالثاً: يحق للمرأة العاقلة البالغة أن تنكح نفسها من غير إذن الولي إلا أن الأفضل أن يتم عقد النكاح برضا الأولياء والمرأة كليهما.
رابعاً: للأولياء أن يطالبوا القاضي بالتفريق إذا لم تراع المرأة العاقلة البالغة في النكاح الكفاء ة أو المستوى المطلوب للمهر.
خامساً: ( أ ) إذا باشر الأب أو الجد نكاح الصغيرة برضاها لزم هذا النكاح، وإن كرهت هذا الزواج فإنه يحق لها طلب التفريق بقضاء القاضي.
(ب) النكاح الذي باشره غير الأب والجد صحيح، إلا أن البنت إذا لم تطمئن إلى هذا النكاح حق لها الفسخ عند البلوغ دون حاجة إلى رفع أمرها إلى القاضي.
(ج) يثبت للبكر التي زوِّجت بغير إذنها خيار البلوغ إذا علمت ببلوغها وبحقها في خيار البلوغ قبل بلوغها، وإلا امتد خيارها إلى حين العلم بهما.
(د) ويكون للثيب إلى أن تعبر عن رضاها، سواء أكان هذا التعبير بالتصريح أم بالدلالة، وكذلك يبقى حقها هذا إلى أن تعلم بالنكاح أو بالمسألة.
سادساً: ( أ ) إذا وجد من الأولياء أكثر من واحد، وهم متساوون في الدرجة، فالولي الذي يباشر النكاح أوّلاً يصح نكاحه.
(ب) لو باشر الولي الأبعد نكاح الصغير أو الصغيرة في حال وجود الولي الأقرب، فيتوقف النكاح على إجازة الولي الأقرب، إلا إذا لم يمكن الاطلاع والوقوف على رأي الولي الأقرب في كل وقت، ويخشى فوات الكفء في حال التأخير فيصح النكاح الذي باشره الولي الأبعد.
قرار رقم: 48 (3/11)
بشأن
حكم الأحاديث الضعيفة
قرَّرت الندوة بهذا الخصوص ما يلي:
أولاً: بعد دراسة هذا الموضوع توصلت الندوة إلى أن هناك إفراطاً وتفريطاً لدى العلماء في العصر الحاضر في هذا الصدد، فقد أحل البعض الروايات المعتبرة وغير المعتبرة كلها محل الروايات الصحيحة والثابتة دون أي تفريق بينهما، وموقفهم هذا لا ينسجم مع الحيطة البالغة المطلوبة في حديث: "من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" (أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه)، وفي جانب آخر هناك فئة تحكم على الحديث الضعيف بعدم اعتباره وعدم صحته وترفضه بمجرد أنه ضعيف من حيث السند، على حين أن الأحاديث الضعيفة مقبولة في بعض المناسبات، وكون الحديث ضعيفاً من حيث السند لا يستلزم كون متنه مردوداً وغير مقبول.
ثانياً: الروايات التي هي موضوعة لا تعتبر قطعاً، ولا يجوز الاستدلال بها ولا نقلها ولاروايتها دون التصريح والتوضيح بوضعها، إلا أنه إذا أتى في سلسلة سندٍ راوٍ من الوضاعين للحديث فلا يصح الحكم على متن الحديث ومواده بالوضع بمجرد كون سنده ضعيفاً، بل يحكم عليه بالوضع بعد تحقيق سائر طرق متن الحديث، لأنه يمكن أن يكون هذا المتن منقولاً ومروياً بسند لا يوجد فيه الراوي الذي يضع الحديث.
ثالثاً: إذا روى العديد من الفقهاء والمجتهدين والمحدثين حديثاً مستدلين به، أو أَمَروا بالعمل به، أو ذهبوا إلى التأويل في متن ذلك الحديث بدلاً من ردّه، وعينوا معنى آخر بدل المعنى الظاهر والمتبادر فهو الذي يسمى "التلقي بالقبول".
رابعاً: ترتقي الأحاديث الضعيفة من حيث السند إلى درجة الأحاديث المقبولة بسبب التلقي بالقبول. كما ترتقي الأحاديث الضعيفة إلى درجة القبول إذا وافقت الأحاديث الصحيحة أو فتاوى الصحابة رضي الله عنهم.
خامساً: الأحاديث التي لا يكون رواتها متهمين بالكذب ولا فاسقين، ولكن كان ضعفها بقلة ضبط الراوي، فيفيدها تعدد الطرق، وترتقي مثل هذه الأحاديث إلى درجة "الحسن لغيره"، شريطة أن يكون الراوي في الطرق الأخرى للحديث كذلك متهماً بخفة الضبط، ولا يكون متهماً بالكذب والفسق. والأحاديث التي تتعارض مع النصوص الثابتة الأخرى أو يكون الضعف فيها بسبب كون الراوي متهماً بالكذب أو الفسق، لا تعتبر في الفضائل ولا في الأحكام.
سادساً: تعتبر الروايات الضعيفة في باب الترغيب والترهيب، بشرط أن لا يكون ضعف هذه الروايات شديداً وبشرط أن تندرج تحت أصل شرعي عام، ويعتقد بالعمل بها الرجاء في الحصول على الثواب أو تجنب العقاب فقط دون الإيقان به.
سابعاً: ونظراً إلى الانحطاط العلمي الموجود في العصر الراهن فإنه يستحسن للعلماء أن يحرصوا في خطبهم وكتاباتهم على ذكر الأحاديث الصحيحة والثابتة، وحيثما يرون ضرورة ذكر مثل هذه الأحاديث فينبغي لهم أن يقوموا بتوضيح درجة وصحة مثل هذه الأحاديث بطريق مناسب حتى لا يعم ذكر الأحاديث الضعيفة والتي لا أساس لها.
ثامناً: الأحاديث التي تكون ضعيفة من حيث السند ويكون ضعفها بقلة الضبط لا بفقدان العدالة، ولا تتعارض مع نص صحيح وثابت تثبت بها الأحكام الاحتياطية يعني الكراهة والاستحباب.
تاسعاً: وكذلك الأحكام التي لا يوجد لها دليل شرعي آخر غير الحديث الضعيف يعمل فيه بالحديث الضعيف، والعمل به أرجح من العمل بالقياس المبني على العلة غير المنصوصة، وهو مذهب جمهور السلف .
|