بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين.
الندوة الفقهية الثالثة
عقد مجمع الفقه الإسلامي بالهند ندوته الثالثة في دار العلوم سبيل الرشاد بمدينة بنغلور في 13-16 من ذي القعدة 1410 هـ الموافق 8-11 يونيو 1990م، وشارك فيها صفوة من العلماء البارزين والفقهاء الممتازين الممثلين عن مدارس فكرية وفقهية مختلفة، كما حضر هذه الندوة سماحة الشيخ أبو الحسن علي الندوي? وشارك فضيلة الدكتور محروس المدرس الأعظمي من العراق مشاركة فعَّالة.
وبحثت الندوة المحاور التالية:
* المصرفية الإسلامية.
* المرابحة.
* المؤسسات التعاونية اللاربوية.
* بيع الحقوق.
ونقدم في السطور الآتية قرارات وتوصيات صدرت عن الندوة بشأن هذه المحاور.
قرار رقم: 8(1/3)
بشأن
توصية الندوة بخصوص المصرفية الإسلامية
إن البنك يمثل مكانة أساسية في النظام المالي والاقتصادي في العصر الراهن، فيه تودع الأموال، وعن طريقه تتضاعف الثروات وتتكاثر الإنتاجات الوطنية، وإلى جانب ذلك تقوم المؤسسات المصرفية بخدمات عديدة لازمة في مجالات التجارة والصناعة والزراعة، وإن الجهود الاقتصادية والاستثمارية للمسلمين في الهند بأمس حاجة إلى هذه البنوك، ولكن نظام البنوك كله يقوم على أساس الربا الذي حرمته شريعة الله الحكيمة تحريماً باتاً.
من البديهيات التي لا تنكر أن النظام الربوي يقوم على أساس غير عادل، والعقود القائمة على أساس الربا تقرر لصاحب رأس المال مبلغاً من الفائدة على كل حال، بينما تجعل منافع العامل (Enterpreneur) تابعة للربح والخسارة في الجهود الاقتصادية وجوداً وعدماً، وهذا عقد فاسد في الإسلام لما فيه من الظلم والعدوان، وأيضاً فإن الربا قد أصبح عاملاً فاعلاً لارتكاز الثروة (Concentration Of Wealth) ونتيجة لذلك أصبحت لثروة الديون (Loan Capital) في المجتمع سيطرة قوية وقاهرة يشعر بها أولو الألباب جميعاً.
هذا بيان إجمالي لمضار الربا، ولا يمكن في هذه العجالة الاستقصاء والإحاطة بما يتضمن النظام الربوي من المفاسد والمضار والنتائج الظالمة، وإن الشريعة العادلة لأحكم الحاكمين لا تنكر أهمية جهود الإنسان الاقتصادية بل إنها تعتبرها "ابتغاء فضل الله"، إنها تتوخى إقامة مجتمع بشري بصفة عامة، وبصفة خاصة تدعو إلى نظام اقتصادي يسوده العدل والرحمة والأمانة والنصفة، وتسعى كذلك لتشريع أحكام ومبادىء وقيم صالحة لأن يؤسس عليها نظام سليم عادل للاقتصاد، ولم يحرم الربا في الإسلام إلا لتحقيق هذه الغاية الكريمة، وهي بناء نظامه الاقتصادي على معاني سامية وغايات رفيعة من العدل والإخاء والمساواة والرحمة بالناس والإحسان إليهم، لا على التنافس البغيض والمسابقة الظالمة.
من أجل ذلك يتحتم على مسلمي الهند أن يكرسوا جهودهم الاقتصادية على هذه الأسس، لتقوم حياتهم الاقتصادية والاجتماعية على أسس متينة ثابتة، ويكون مسلمو الهند دعاة إلى نظام العدل والمساواة لأبناء وطنهم بهذا النظام الاقتصادي العادل.
إن الأصول والمبادىء التي تقررها الشريعة الغراء لإقامة النظام المصرفي اللاربوي تقدم حلولاً عادلة لمشكلات العصر الراهن، بل نوقن بأن ذلك أحسن من النظم المصرفية الموجودة في العالم اليوم، وبإقامة هذا النظام المصرفي اللاربوي تتحسن أوضاع المسلمين الاقتصادية ويقوم مجتمع عادل بلدنا في أمس الحاجة إليه.
بالنظر إلى هذه المنطلقات ترى الندوة أنه يمكن إيجاد نظام العمل المصرفي الناجع والجدير بالعمل على أسس المضاربة (Equity Participation) والمشاركة (Partnership) والمرابحة (Mark up Pricing) الذي يكون رسالة للبلاد ونموذجاً ومثالاً يحتذى، وترى الندوة ضرورة بذل مجهودات جبارة ومساعي متواصلة في سبيل تطبيق هذا النظام حتى يمكن التغلب على مشكلات العصر الراهن المتعددة ووسائل الاستثمار المتنوعة، والمعاملات المالية المختلفة.
وعند تحديد ملامح مشروع نظام الإسلام المصرفي وتنفيذ هذا المشروع لابد من ملاحظة التوجيهات التالية:
أولاً: إن الإسلام يحرم كل نوع من العقود الربوية.
ثانياً: الإسلام يعتبر العدل شرطاً لازماً للمتعاقدين في العقود الاقتصادية، ومقتضى هذا الأصل أن يراعى العدل مع كل من صاحب المال والعامل، يشترك صاحب المال في المنافع ويضمن الخسارة في الأموال كلياً، والعامل (المستقرض) يكون شريكاً في المنافع، وفي حالة الخسارة يحرم أجرة عمله.
ثالثاً: يعتبر الثمن وسيلة لا مقصوداً بذاته،كما هو الحال في البضائع اللازمة وأسباب الراحة والدعة.
رابعاً: ينبغي أن يعتبر المال أمانة لله جل وعلا، ويستخدم في حاجات الناس الحقيقية وفيما يرفع مستواهم الاقتصادي، لا كما يعتبر في الأنظمة المصرفية اليوم حيث يجعله البنك وصاحب المال ذريعة لتضاعف الأموال.
خامساً: ينبغي أن يكون توزيع الأموال بطريقة يتقوى بها الأساس الاقتصادي للطبقة المتخلفة اقتصادياً، ويقل التوزيع غير العادل للثروة، فيلزم البنوك الإسلامية عند توزيع الأموال أن ترجح "الضروريات" على "التحسينيات" و"الكماليات" كما يلزمها لدى تحديد قدر المنافع تشجيع المسلمين المتخلفين والضعفاء اقتصادياً.
سادساً: يجب تفادي جميع طرق التمويل والاستثمار التي هي بالرغم من كونها سائدة في السوق اليوم، مظاهر للخيانة والغش وكتمان الحقيقة.
سابعاً: ويجب كذلك الالتزام بهذه التوجيهات الأساسية لنظام الإسلام الاقتصادي والاجتماعي مع مراعاة القيم العملية للصدق والأمانة ورعاية المقاصد العامة والروح الخلقية، حتى لا تبقى هذه الجهود مجرد ممارسة ميكانيكية، بل يجب أن تجسد في الواقع نظام الرحمة والإخاء والتعاون في مقابل نظام النهب والسلب وأهواء النفس.
وتحقيقاً لهذه الغاية قررت الندوة تشكيل لجنة من العلماء وأهل الاختصاص تقوم باقتراح نظام مالي للمسلمين وفقاً لتوجيهات الشريعة ومبادئها العامة في ظروف الهند ومشكلات المسلمين الراهنة، ليأتي هذا النظام ممثِّلاً للقيم المرضية لديهم، ومحققاً لأمانيهم، وحلاً لمشكلاتهم الاقتصادية الحقيقية.
قرار رقم: 9(2/3)
بشأن
المرابحة
قرَّرت الندوة بهذا الخصوص ما يلي:
أولاً: للمرابحة معنىً محدد عند الفقهاء، وهو: بيع السلعة بما اشتراها به وزيادة ربح معلوم.
ثانياً: إن صور المرابحة السائدة اليوم في البنوك الإسلامية هي التي ناقشتها الندوة.
ثالثاً: انطلاقاً من القاعدة الفقهية التي تقول: العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني، فإن المعاملات التي راجت اليوم في البنوك باسم المرابحة تعتبر فيها حقيقة المرابحة لا أسماؤها.
رابعاً: إن صور المرابحة السائدة اليوم في البنوك الإسلامية إنما تجوز بشروطها المعروفة إذا كان:
( أ ) البنك قد أوضح في استمارته الخاصة (Quotation) صفات البضائع التي يقوم البنك ببيعها من نوعها وكيفيتها (Quality) و ما إلى ذلك من الصفات التي لابد من ذكرها لكي لا يبقى في العقد إبهام أو جهالة تؤدي إلى التنازع بين المتعاقدين، كما أنه لابد من ذكر قدر النفع الحاصل للبنك على قيمة الشراء أو السعر، وتحديد مدة الأداء والأقساط.
(ب) لا يصح أن يقال عند العقد: إن الثمن في البيع الحالّ كذا، وفي النسيئة كذا، أو يربط ثمن بيع النسيئة قِلَّةً وكَثْرَةً بقلة وكثرة مدة الأجل، بل الواجب على البنك أن يقدم نموذجاً من البضائع ثم يحدد أداء الثمن في مدة معينة بأقساط معينة، مع إيضاح قدر الربح الحاصل للبنك على تكلفته (وذلك يكون ثمن الشراء من البنك).
قرار رقم: 10(3/3)
بشأن
المؤسسات التعاونية اللاربوية
ناقشت الندوة موضوع المؤسسات التعاونية اللاربوية ومشاكلها،
وقرَّرت بخصوص ذلك ما يلي:
أولاً: من اللازم والمفيد للمسلمين إنشاء المؤسسات المالية التعاونية التي تعالج مشكلاتهم الاقتصادية، فتستقرض من جماهير المسلمين بدون الربا، وتقرض المحتاجين منهم القروض الخالية عن الربا تماماً، وهذه حاجة أكيدة للمسلمين في الأوضاع الراهنة.
ومثل هذه المؤسسات في الواقع تكون مؤسسات تعاونية خيرية تقوم على أسس البر والإحسان والصلة والتعاون .
ثانياً: لا يجوز قطعاً أخذ زيادة على الديون من المستقرضين بأي طريق كان، وهذا المبلغ الزائد على الديون يكون رباً في الشرع، فلا يجوز أي نوع من المبلغ الزائد على الديون سواء كان لصالح شخص أو مؤسسة أو لأجل الإنفاق في مشاريع خيرية مختلفة، والمبالغ التي استقرضتها المؤسسة من المسلمين لا يجوز أن تودع في الودائع الثابتة (FIXED DEPOSIT) في المؤسسات الربوية وأخذ الفائدة عليها يكون رباً محرماً.
أما المصاريف الإدارية لهذه المؤسسات فقررت الندوة بصددها ما يلي:
( أ ) إن مثل هذه المؤسسات حاجة عامة لازمة للمسلمين، وعلى أثرياء المسلمين أن يتولوا مسؤوليتها ابتغاء رضوان الله تعالى، ويتحملوا جميع النفقات اللازمة لها، وإذا نالت هذه المؤسسات ثقة المسلمين بأنها تقوم بدور كبير في مساعدة المسلمين مالياً وإنقاذهم من المعاملات الربوية، وأنها تمارس أعمالها ونشاطاتها حسب توجيهات العلماء وآرائهم. فمن المؤكد أن أثرياء المسلمين سيبادرون إلى القيام بتغطية نفقاتها الإدارية بل سيبذلون وسعهم في تطوير وتنمية هذه المؤسسات وازدهارها.
(ب) ينبغي لجميع هذه المؤسسات المالية التعاونية أن تستثمر قسماً من أموالها في مؤسسات استثمارية إنتاجية لتحصل على قدر من الربح يغطي نفقاتها الإدارية.
(ج) ويرى عدد من العلماء المشاركين في الندوة أنه لا يجوز أخذ أجرة الخدمة (Service Charge) أو النفقات الإدارية (Operational Expenses) من المستقرضين حتى ولو كان ذلك في حدود النفقات الفعلية، ويرى بعض العلماء أن أخذ أجرة الخدمة من المستقرضين جائز أصلاً، ولكنه قد يكون ذريعة لفتح باب الربا، لذا ينبغي أن يكون محظوراً على سبيل القطع.
ويرى أكثر المشاركين من العلماء أن إقامة مثل هذه المؤسسات أمر مفيد وضروري جداً، فإذا لم يتحمل مصاريفها الإدارية الأثرياء من المسلمين، ولم يمكن الحصول على المنافع المباحة بالعمليات الإنتاجية على قدر الضرورة، جاز في رأيهم أخذ هذه النفقات اللازمة الضرورية للمؤسسة من المستقرضين، إذ لا يعود نفع ذلك إلى أصحاب الأموال ولا إلى المؤسسة.
وفي رأي هؤلاء العلماء لابد من الاحتياط في تحديد المصاريف اللازمة الفعلية، لأن روح الشريعة في القرض لا تتلاءم مع أخذ تلك المصاريف من المستقرضين، لأجل ذلك يلزم الأخذ بغاية الحيطة في تحديد النفقات الإدارية، ولكن إذا ظهر بعد انتهاء المدة أن المبلغ المحدد أكثر من النفقات الفعلية، فيجب شرعاً رد المبلغ الزائد إلى المستقرضين حسب نسبة الأخذ منهم.
قرار رقم: 11(4/3)
بشأن
بيع الحقوق
إن هذه الندوة بعد ما بحثت هذا الموضوع في ضوء البحوث والأوراق المقدمة حوله قرَّرت ما يلي:
أولاً: أن شرط المال في البيع شرط جوهري.
ثانياً: لما كانت النصوص الشرعية لم تحدد حقيقة المال، ابتنى ذلك على أعراف كل عصر و بلد ما دامت لا تتعارض مع الشرع.
ثالثاً: لا يجوز الاعتياض عن الحقوق التي لم تشرع أصلاً إلا لدفع الضرر عن أصحابها كحق الشفعة .
رابعاً: الحقوق التي ارتبطت بها منفعة مالية، وشاع تداول الاعتياض عنها في الأعراف، والتي هي ليست لمجرد دفع الضرر عن أصحابها ولا تتعارض مع مصالح الشريعة ومقاصدها العامة يجوز الاعتياض عنها.
خامساً: وحول تعيين الحقوق السائدة اليوم: هل هي من قبيل الحقوق التي يجوز الاعتياض عنها أولا يجوز؟ لابد من الرجوع إلى فتاوى المفتين المعتمدين.
قرار رقم:12(5/3)
بشأن
توصية الندوة بخصوص طلاب المدارس الدينية والمعاهد العصرية
توصي الندوة مسؤولي المدارس العربية في الهند بما يلي:
أولاً: أن تعقد دورات النقاش بين الطلاب على مستوى المدارس المختلفة حول قضايا وموضوعات مستجدة تناقش اليوم على أصعدة علمية متنوعة، وذلك تأهيلاً لهم لتطبيق الأحكام الشرعية على الواقع المعاصر، وإن مجمع الفقه الإسلامي بالهند مستعد لأن يتعاون مع هذه المدارس في توجيه الدعوة إلى العديد من كبار العلماء للحضور في هذه الندوات.
ثانياً: أن تعقد محاضرات يتكلم فيها المختصون في الاقتصاد والعلوم العصرية ليتمكن الطلاب من التزود بمبادىء هذه العلوم، وتفهم الفكر الأساسي لها، وربط الأحكام الشرعية بها، ومجمع الفقه الإسلامي بالهند على استعداد تقديم كل ما يمكنه من التعاون في هذا الصدد.
ثالثاً: أن تعقد برامج محاضرات ومخيمات لطلاب ومتخرجي الكليات العصرية، ليزودوا فيها بتوجيهات الإسلام الأساسية في مختلف المجالات، ولتتم توعيتهم بأصوله الأساسية وتعريفهم بمصطلحاته الضرورية وتأهيلهم للقيادة والتوجيه، وبودِّ الندوة أن يتخذ مجمع الفقه الإسلامي بالهند خطوة مناسبة بهذا الخصوص.
|