بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين.
الندوة الفقهية الثامنة
انعقدت هذه الندوة في جامعة علي جراه الإسلامية ولاية أترابراديش (الهند) في الفترة: 27-29جمادى الأولى الموافق 20 -24 أكتوبر 1995م، ونوقشت فيها أربعة موضوعات مهمة جداً:
* أخلاقيات الطبيب.
* العرف والعادة.
* الاشتراط في النكاح.
* مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) وحكمه الشرعي.
وقد حضر هذه الندوة الفقهاء والممثلون من كافة أنحاء الهند من مدارسها الدينية وجامعاتها العصرية، كما حضرها الأطباء الحذاق المسلمون والعلماء، وذلك لدراسة المشاكل الطبية الحديثة. ولصياغة دستور الأخلاقيات للأطباء من المنظور الإسلامي، وشارك في هذه الندوة سماحة الشيخ العلامة الدكتور وهبة مصطفى الزحيلي (دمشق - سورية) والمؤرخ الشهير البروفسور خليق أحمد النظامي من جامعة علي جراه بالهند.
قرار رقم: 33 (1/8)
بشأن
أخلاقيات الطبيب و واجباته
ارتبط بالطب واجب الحفاظ على الصحة الإنسانية، ولذلك تصبح مسؤوليات الطبيب مهمة وخطيرة جداً، فيتضمن واجبه الخلقي المساواة والنصح والحلم والصبر وكتمان العيوب والأسرار الشخصية ومراعاة المصالح الاجتماعية والحذاقة في الفن والبصيرة والتيقظ وعواطف خدمة البشر، وبعد دراسة الموضوع بالتفصيل قرَّرت الندوة ما يلي:
أولاً: ( أ ) يتأهل للقيام بالمداواة من يكون عارفاً بالفن وذا خبرة وتجربة فيه، وصادقت الجهة الموثوقة المختصة على معرفته وتجربته، فلا يجوز القيام بالعلاج بدون العلم الصحيح والتجربة.
(ب) يضمن من لم يتأهل شرعاً للقيام بالمداواة إذا أصاب المريض بمداواته ضرر غير عادي.
ثانياً: إذا قصّر الطبيب الموثوق في العلاج وأصاب المريض ضرر بتقصيره كان الطبيب ضامناً.
ثالثاً: إذا قام الطبيب بإجراء العملية الجراحية على المريض بدون إذن منه أومن أوليائه مع القدرة على الاستئذان، وعادت العملية على المريض بالضرر، كان الطبيب ضامناً.
رابعاً: إذا كان المريض مغمىً عليه وأولياؤه غير موجودين، ويرى الطبيب ضرورة إجراء العملية الجراحية بالفور حفاظاً على حياته أو عضو من أعضائه فقام بالجراحية المطلوبة بدون الإذن، وتضرر المريض، لم يكن الطبيب ضامناً.
خامساً: إذا خطب امرأة شخص مصاب بمرض أو عيب لا ترضى بسببه المخطوبة بالنكاح معه إذا اطلعت عليه، والطبيب عارف بمرضِ أو عيبِ مريضه، فإذا استفسرت المخطوبة أو أولياؤها الطبيب عن مرض أو عيب المريض بالإشارة إلى خطبة النكاح، وجب على الطبيب إخبار المخطوبة أو أوليائها بحقيقة حال المريض، أما إذا لم تستفسر المخطوبة أو أولياؤها الطبيب فليس عليه إشعارها أو إشعار أوليائها بالمرض أو العيب.
سادساً: يجب على الطبيب إشعار الجهة المسؤولة بضعف بصر السائق، وكذلك إذا كان الطيار أو سائق القطار والباصات مدمناً للمخدرات، ويخشى خطر هلاك الركاب، وجب على الطبيب إشعار الجهة المختصة بذلك.
سابعاً: إذا كان الطبيب عارفاً بجريمة مريضه، وتم إلقاء القبض على شخص بريء في نفس الجريمة وجب على الطبيب إفشاء سر مريضه لإبراء البريء، ولا يجوز له إخفاء السر.
قرار رقم: 34 (2/8)
بشأن
توصية الندوة حول تدوين دستور أخلاقيات الطبيب من المنظور الإسلامي
مما لا شك فيه أن الإيدز يأتي في قمة ما نعرف من الأمراض الفتاكة الخطيرة المدمرة اليوم في العالم، فإن هذا المرض يأكل الإنسان تدريجياً، تضعف قوة مناعة جسمه، ويتسرب إليه كل مرض جديد بسهولة جداً، إن الحياة عبارة عن الطموح والنشاط والحركية، ولكن الشخص المصاب بمرض الإيدز يتخلى عن هذه الصفات العالية، ويتدهور بسرعة إلى البؤس والكآبة، فما الإيدز إلا سفر الموت الموحش وإعلان زوال الحياة كعبرة، ولذلك تخاف الدنيا اليوم وتتزلزل كثيراً من هذا المرض، و الأطباء يتفكرون في أسباب وعلل المرض، ويبذلون قصارى مجهوداتهم وكفاءاتهم في التوصل إلى سد بابه والتغلب عليه، ولكن الحقيقة الصادقة أن الأطباء في العالم كله مع مستجدات اختراعاتهم واكتشافاتهم ودراساتهم الطبية لم يتوصلوا إلى الآن إلى دواء ناجع لهذا المرض.
ويبدو جليّاً من كل ما توفر من معلومات حول مرض الإيدز وما قدم من نتائج بعد دراسة ملابساته، أن هذا المرض ليس إلا عذاباً من الله تعالى.
ولم ينتشر هذا المرض الخطير إلا بالعدول عن الطريقة الفطرية التي قرَّرها خالق الكون لتحقيق الشهوات ، فما يشاهد اليوم في البلدان الغربية من الاختلاط الحرّ بين الرجل والمرأة ، والمشاهد الخليعة على شاشات التلفاز والأفلام السنيمائية التي تدرب المشاهدين على الفواحش، والكتب الماجنة والإعلانات التي تدنس الأذهان، ليس مرض الإيدز إلا نتيجة لازمة لهذه الدعارات الذميمة، ولا يمكن منع شيوع مرض الإيدز إلا بتنظيف المجتمع والقضاء على التحرر الجنسي والمنع الجريء لجميع المشاهد المحرضة للانحلال الجنسي، والدعوة إلى السير على الطريقة التي اختارها الشرع لتحقيق الشهوات، وتناشد هذه الندوة جميع الأطباء والعلماء والمصلحين والكتَّاب والصحفيين ومنظمة الصحة العالمية ووسائل الإعلام والمؤسسات الخيرية والحكومات كلها بذل الجهود، وأن يسعى كل بحسب وسعه، للتصدي لهذا المرض والتغلب عليه.
والحقيقة أن لعلم الأديان وعلم الأبدان أهمية كبيرة، وهذان العلمان هما عصارة وخلاصة العلوم كلها ، ونظراً إلى ذلك تشتد الحاجة إلى إعداد وتدوين دستور الأخلاقيات لمهنة الطب من المنظور الإسلامي، ولأجل هذا تم تشكيل لجنة لتقوم بهذه المهمة، وتتألف هذه اللجنة من:
الطبيب أمان الله.
الطبيب مسعود أشرف.
الطبيب عبد القادر.
البروفسور ظل الرحمن.
الطبيب يوسف أمين.
الشيخ سلطان أحمد الاصلاحي.
الدكتور سعود عالم القاسمي.
قرار رقم: 35 (3/8)
بشأن
مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز)
أولاً: إذا نكح المصاب بمرض الإيدز امرأة، وأخفى عليها مرضه حق لها فسخ نكاحها.
وإذا أصاب الزوج مرض الإيدز بعد النكاح وتوصل المرض إلى مرحلة خطيرة جاز لها فسخ النكاح.
ثانياً: إذا حملت المرأة المصابة بمرض الإيدز و غلب على ظن الأطباء الموثوقين أن الطفل أيضاً قد يتعرض لهذا المرض، ففي هذه الصورة يجوز لها الإجهاض قبل نفخ الروح في الحمل، وقد حدد الفقهاء هذه المدة بمائة وعشرين يوماً.
ثالثاً: إذا أحيط أحد بالإيدز إحاطة كاملة، وعجز عن أداء فعالياته اعتبر مرضه مرض الموت.
رابعاً: من الواجب الخلقي للمصاب بمرض الإيدز إخبار أهله وذويه بمرضه و الأخذ بالتدابير الاحتياطية.
خامساً: إذا أصر المصاب بمرض الإيدز على إخفاء مرضه ورجح عند الطبيب تضرر أهل المريض وذويه ومجتمعه، وجب عليه إخبار الجهة الصحية للحكومة والمسؤولين.
سادساً: من واجب عائلة المصاب بالإيدز وذويه ومجتمعه أن لا يتركوه مخذولاً بل عليهم القيام برعايته مع مراعاة الاحتياط الطبي وتقديم التعاون الكامل إليه في توفير العلاج والتدابير الاحتياطية.
سابعاً: لا يجوز حرمان الأطفال المصابين بمرض الإيدز من التعليم، بل يوفر لهم التعليم مع مراعاة تدابير الطب الاحتياطية اللازمة.
ثامناً: يستحسن منع الدخول إلى المنطقة المنكوبة بمرض الإيدز ويستثنى منها حالات الضرورة والأعذار.
تاسعاً: يحرم على المصاب بمرض الإيدز نقل مرضه إلى الشخص الآخر عمداً، فإن ذلك معصية كبيرة ، ويستوجب فاعل ذلك عقوبة حسب جسامة تضرر الآخر أو المجتمع بذلك.
قرار رقم: 36 (4/8)
بشأن
العرف والعادة
إن الميزة المميزة والخصيصة الكبرى للشريعة الإسلامية هي العدل والوسطية، فليس من طبيعة الشريعة الإسلامية أن تستجيب لأي نوع من أنواع التغيرات في كل حين وآن، ولا أن تعترف بكل أمر أصبح رائجاً وسار عليه الناس حتى ولو كان مغايراً ومتناقضاً مع المصالح البشرية والقيم الخلقية، لأن ذلك ليس من مراعاة المصالح الإنسانية، بل هو استسلام وخضوع للمفاسد، والإسلام لا يسمح بذلك قطعاً، ولكن القانون المرتسم للبقاء هو النظام الذي يعيش مع الناس مشكلاتهم ويعينهم على حلها، ولتحقيق ذلك يلزمه قبول أعراف الناس وتعاملهم الاجتماعي في إطار خاص، وبناءً على ذلك بنيت كثير من أحكام الفقه الإسلامي على أعراف العصر، ويدل على اعتبار العرف الكتاب والسنة وآثار الصحابة والقياس، كما يتفق على اعتباره جميع فقهاء الإسلام.
وفي هذه الخلفية قرَّرت الندوة ما يلي:
المحور الأول
حقيقة العرف و أنواعه المختلفة:
أولاً: العرف في اللغة: الشيء المعروف، وفي الاصطلاح الشرعي: كل ما سار عليه الناس و تعارفوه من قول أو فعل.
ثانياً: العادة في اللغة: الأمر المتكرر، وفي الاصطلاح الشرعي: هي تكرير الفعل حتى يصير تعاطيه سهلاً كالطبع.
ثالثاً: العرف والعادة بمعنى واحد من حيث المصداق، وإن اختلفا من حيث المفهوم.
رابعاً: الفرق بين العرف والإجماع أن العرف يتحقق بتعارف عامة الناس، والإجماع هو عبارة عن اتفاق المجتهدين.
خامساً: العرف نوعان: عرف قولي وعرف فعلي.
العرف القولي: هو أن يشيع بين الناس استعمال بعض الألفاظ أو التراكيب في معنى معين بحيث يصبح ذلك المعنى هو المفهوم المتبادر إلى أذهانهم عند الإطلاق بلا قرينة ولا علاقة عقلية.
والعرف العملي: هو ما اعتاده الناس من أعمال.
سادساً: العرف القولي و العرف العملي كلاهما معتبر في أحكام الشرع، والعرف الذي يكون فاشياً في معظم مناطق المسلمين هو العرف العام، والعرف الرائج في مدينة أو ولاية أو منطقة سكانية خاصة أو في طبقة مخصوصة هو العرف الخاص.
سابعاً: كل عرف يخالف نصاً من نصوص الشريعة أو يفوِّت مصلحة معتبرة يكون فاسداً مثل رواج الدوطة أو طلب النقود في النكاح، وحرمان البنات من الإرث، والانتفاع بالأراضي المرهونة.
المحور الثاني
شروط اعتبار العرف:
يشترط لاعتبار العرف أربعة شروط:
الأول: أن يكون العرف كلياً أو أكثرياً، ويعني ذلك شيوع العرف في المجتمع كاملاً، وسير غالبية سكان المجتمع عليه.
الثاني: أن يكون العرف موجوداً من قبل وقوع التصرف، ويبقى باقياً عند التصرف.
الثالث: أن لا يكون هناك تصريح من المتعاقدين بخلاف العرف.
الرابع: أن لا يعطِّل العمل بالعرف نصاً من نصوص الشارع الصريحة القطعية أو قاعدة من القواعد الأصولية.
المحور الثالث
تعارض العرف مع الأدلة الشرعية:
أولاً: إذا تعارض العرف العام مع نص عام بحيث لا يكون العمل بالعرف العام تركاً للنص، بل يخصص النص فقط، جاز في هذه الصورة تخصيص النص بالعرف العام.
ثانياً: إذا كان العرف العام معارضاً للنص بحيث يلزم من اعتبار العرف العام ترك النص فلا يعتبر هذا العرف شرعاً.
ثالثاً: النصوص المبنية على العرف قطعاً يجوز تغيير الأحكام فيها بتغير ذلك العرف ، ولكن تقرير أن حكماً شرعياً معيناً هو مبني على العرف أمر خطير للغاية ومسؤولية كبيرة، لا يستطيع القيام به إلا الفقهاء المتضلعون بعلوم الإسلام المتصفون بدقة النظر وكمال الحيطة والتقوى، وبأسلوب التفكير الجماعي.
رابعاً: إذا تعارض العرف العام مع ما ثبت بالقياس رجح العرف العام وترك القياس.
خامساً: إذا كان العرف الخاص محدوداً في إطار صغير لم يصح ترك القياس بسببه.
سادساً: إذا كان إطار العرف الخاص واسعاً جداً جاز ترك القياس بسببه.
سابعاً: إذا كان العرف متعارضاً مع الأهداف والمصالح الأساسية للشرع لم يعتبر.
المحور الرابع
تغير الحكم بتغير العرف:
أولاً: إذا كانت مسائل ظاهر الرواية ثابتة بالنصوص الصريحة من الكتاب والسنة فهي لا تترك بالعرف، وتترك مسائل أخرى لكتب ظاهر الرواية بسبب العرف.
ثانياً: إذا كان قول في مذهب فقهي معارضاً للعرف، ووُجد في مذهب فقهي آخر قول مطابق له، فالحكم بالعرف (مع مراعاة شروط اعتباره) ليس عدولاً عن المذهب بل هو اختيار العرف.
ثالثاً: إذا تغير العرف في الأحكام الفقهية المبنية على العرف، لا على النصوص، حكم بالعرف الجديد.
المحور الخامس
الاشتراط في النكاح:
أولاً: إذا اشترطت في النكاح شروط تؤكد ما يترتب على النكاح من واجبات وحقوق، فهي شروط معتبرة ، ويجب على الزوج الوفاء بها.
ثانياً: وإذا اشترطت في النكاح شروط تنافي مقتضيات النكاح أو منعها الشرع، فهي شروط غير معتبرة، مثل شرط الزوج عدم النفقة، أو شرط الدوطة (DOWRY) أي طلب النقود والأموال من ذوي الزوجة.
ثالثاً: وإذا اشترطت في النكاح شروط لم توجبها الشريعة ولم تمنعها، وجب الإيفاء بها.
|